أولويات الخطاب الفقهي المعاصر
كتبهامحمد الشيباني ، في 4 أكتوبر 2009 الساعة: 12:39 م
لباب الأول مفهوم الفقة
نقطة بدء
نشأة الفقه
تطور الفقه
واقع الخطاب الفقهي
سمات الخطاب الفقهي
1- نقطة بدء
الأولى مستحق التقديم على غيره و البداءة به -فعلا كان أو قولا - وهو في هذا العنوان – أولويات الخطاب الفقهي – يحتضن معنى من الاستعجال والإلحاح..
وشرف الخطاب أن الله جعله الوسيلة بينه وبين عباده، وهو عند أهل اللغة ” مراجعة الكلام أو كل كلام أريد به الإفهام،[1] وفيه بحكم العصر معنى من الخط الفلسفي العام أو الرؤية المتكاملة، والفقه مطلق الفهم وهو كذلك في نصوص الوحيقال تعالى: ﴿قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ ﴾[2] و به قال مالك وفسره أبو حنيفة رحمه الله بأنه: معرفة النفس ما لها وما عليها، فحده الشافعي رحمه الله ” بأنه: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية.
تلك مقدمة اقتصت الحالة البدأ بها للحديث عن أولويات الخطاب الفقهي المعاصر ، ملتمسين في مناطق الضعف أسباب قوة ومن حدود المنهج الأسلم كابحا مُرشِّدا في عصر السموات المفتوحة .. وليس سرا أن انقسام الناس بخطابهم الفقهي ذات اليمين وذات الشمال – خاصة في المواقف الحرجة - أربك أمتهم واضعف موقفهم، حين انقسموا بين بان خنادق دون المحرمات فهو يسرف في سد الذرائع، وماد جسورا مع الواقع جاعلا من التيسير مبدءا ربما أعماه عن النص وأعجله، فضلا عن فقهاء مازالوا في القرن 15 يعيشون بطرر وحواشي القرون الخالية ، أو عاشوا عصرهم دون ترتيب أولويات أو رتبوها دون أن يخاطبوا عصرهم بلغته.
و أشد من هؤلاء وألئك المنبهرون بحضارة الغرب دون نظرة رويه وقد قال صلى الله عليه وسلم” لا يقضي القاضي وهو غضبان”، فكيف يفتي المفتى وهو منبهر بواقع أو مهزوز بحضارة .
وبداية الحديث عن نشأة الفقه ورصد تطوره وواقعه سمات الخطاب المنشود، وهو موضوع المحور الأول من هذه المعالجة ، ثم تحديد هذا المفهوم من خلال مكونات هذا الخطاب وهو موضوع المحور الثاني تحت العنوان ” الخطاب الفقهي وأولويات الآليات” ثم تكون الخاتمة بمقترحات على هامش البحث تحت العنوان ” المبادرة الفقهية” .
ولقائل أن يسأل ما علاقة نشأة الفقه وتطوره بالخطاب الفقهي وهو سؤال مشروع إذ أن إنشاء الفقه شيء وخطابه شيء آخر لكن هذه النشأة تؤثر في توجيه الخطاب إن لم تكن المؤثر الأكبر فيه كما سيتبين من خلال مسألتي ” تحرير الخطاب الفقهي ” و” والطريقة المثلى للتفقه في الدين “.
وإذ تقرر أن الفقه هو معرفة مسائل الأحكام بأدلتها التفصيلية فإن كل حامل له على وجه البيان هو خطاب فقهي – سواء كان فتوى عامة أو خاصة أو درسا او تأليفا أو خطبة ……” ومن مجموع الإثنين ” النص وفهمه ” من جهة و وسيلة البيان من جهة يتحدد مفهوم الخطاب الفقهي وبتشخيص الواقع ورسم الأهداف يتبين الأولى حسب نصوص الشرع و حاجات الناس وإكراهات الواقع.
2- نشأة الفقه
الفقه كما قدمنا هو الفهم أو معرفة الأحكام بأدلتها التفصلية وغني عن القول اعتماده في الصدر الأول على الوحي ” سنة وقرءانا” ثم فهم الصحابة لذلك ، وتتلمذ على الصحابة جلة من أبناءهم ومواليهم فسمعوا فتاواهم وأخذوا بحظ وافر من الوحي على تفاوت وسع دائرة الاختلاف حيث انضاف إلى مسألتي النص وفهمه ، مسألة وصوله وثبوته ، وكان لهذه الأخيرة أعظم الأثر حيث تفرق أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم تحت ظلال السيوف في الفتح الإسلامي بين مُغَرِّبٍ خاض بحر الظلمات الأطلسي، ومُشَرِّقٍ وقف على حدود الصين وثالث أمعن في قلب أوربا ، وكان لكل منهم مستفتون كُثْر في المصر أو الثغر الذي استقر فيه، في أمة آمنت بتعلق الخطاب الشرعي بكل أفعالها .
كانت الفتوى وجه الخطاب الفقهي الأبرز في ذلك العصر – على تفاوت في سماتها وخصائصها كان واضحا في رخص بن عباس وشدة بن عمر - وبانتهاء عصر الصحابة كانت علامات انحراف في المسار الفقهي بدأت تلوح حيث نقل بعض التابعين فتاوى الصحابة وأضافوا فهمهم لفتوى الصحابي ، دون استحضار البعض لبعد الزمان والمكان، مما مهد لاختلاط وقائع العين ، بالحكم العام، والمنسوخ بالناسخ ، وازدهر علم المسائل بدل فقه الأحكام ، إلى جنب منادين بالنص دون سياق نزول و فقه لغة .
و وقف الفقة بين هوى التعصب وتعصب الهوى على شفا الإنبتات من أصله لولا أن تدارك الله الأمة بأمر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز لأبي بكر محمد بن عمرو بن حزم بجمع الحديث ، حيث عاد الفقه لأصوله بسبب ما جَدَّ من رحلة في طلب السنة ، فتخرج من مدارس أرباب المسائل علماء فقهاء جمعوا علم النص وفهمه ، فتخرج من مدرسة ربيعة الرأي فقيه المحدثين مالك بن أنس وتخرج محمد بن الحسن من مدرسة أبي حنيفة ، وبتلك الرحلة المباركة حدثت نهضة علمية وصحوة فقهية عرفت فيما بعد بالمذاهب الأربعة ” الحاضن الأكبر للفقه الإسلامي.
3- تطور الفقه
الفقه نشأ حقيقة بنشأة الإسلام، حين نجعله مرادفا للحكم أما حين ننظر إليه بمعناه التركيبي فهو يتكون من ثلاث عناصر ” أولها النص (الوحي)، ثانيا مدلول أو فهم ذلك النص، ثالثا الواقع ببعده الزماني والمكاني و العرف ” فالحكم أو القول المستند للوحي، العارف للدلالة، المنزل لها على الواقع، هو الفقه الذي نتحدث عنه وقد تضمن نحو القرءان ألف آية في مختلف الأحكام تعتبر الأساس لتدوينه (كما كتب صلى الله عليه وسلم بعض أحكام الزكاة في ورقات وبعث بها إلى أمراء البلاد وولاتها و كتب أحكاما في الفرائض والصدقات والديات فيه أحكام الصلاة والصوم والربا والخمر وغيرها. وقد كتب أبوبكر لعامل البحرين وأكثر عمر بن الخطاب من الكتب وعلى أبي طالب له قضاء مشهور”
ويمكن أن نعتبر بداية التدوين لهذا الفن كتاب الموطأ وكتاب أبي يوسف من إملاءات أبي حنيفة باكورة لنشأة الفقه بمدرستيه.
وقد أضاف الشافعي تقعيدا جديدا سمي بأصول الفقه من خلال كتابه الرسالة، و لم يلبث أن تأثر هذا العلم مع الباقلاني والجويني الغزالي و أضرابههم بعلم الكلام ، وحدوده ، قبل أن يجيئ الإمام الشاطبي بمقاصده ليكمل بها البناء النظري لفلسفة الفقه.
ويمكن أن نلاحظ على هامش هذا الخط الفقهي المتساوق ، ظاهرية بن حزم ، و مسائلية بن القاسم وزفر والمزني .
4- واقع الخطاب الفقهي
قد لا يصدق اسم الفوضى على شيء مثلما يصدق على الخطاب الفقهي الراهن ، والعجب أن هذه الفوضى لم تأت من قبل اختلاف على مبدأ - كالتدرج - و لا تقديم الأولى - و لا مرحلية الخطاب النسبية - مما جعل هذا البحث يركز على آليات الخطاب أكثر من التركيز على خصائص هذا الخطاب ومنهجه ولئن كان كثير مما أصاب المسلمين هو بضعف التنشئة الفقية فإن لارتباك الخطاب الفقهي الأثر لأكبر من ذلك سببه هو ضعف الثقة في المؤسسة المنتجة لهذا الخطاب، ومرد تلك العلاقة الواهنة هو كثرة الضغوط التي تواجهها هذه المؤسسة من رأي الشعب وتغول السلطة واستقطاب الإسلاميين ولهذا ” خصص البحث ” كلمة عن تحرير الخطاب الفقهي كأولوية قصوى ليسمع الناس فقهبا خالصا يعارض منكرات الشعب كما يحارب جور السلاطين وانجراف أو استعجال الصالحين فيسمعوا خطابا فقهيا لا يرجفه سجن سلطان ولا يداهن توجه شعب ، ولا استقطاب حركة فيسمع الناس صرامة الحق لا صخب الموقف.
5- سمات الخطاب الفقهي
كما نلاحظ لم يكن الفقه ، نصوصا جامدة لاتحفل بواقع ، ولا يهدف لمقصد ، بل كانت جهدا جبارا لبيان طرق إقامة علاقات عباد الله على أرض الله وفق مراد الله لتحقيق مصلحة الدارين ، فالعلماء ليسوا مشرعين وإنما هم مظهرون لشرع الله موقعون عنه، ولهذا يمكن إعادة الأولويات العامة إلى هذه المسائل الثلاثة:
أ) التأصيل : بقدر ما هو أولوية في إنتاج الفقه ، فهو أولوية في خطابه ، تربية لمستمع ، وتبصيرا لحائر ، وإقامة لحجة على معرض، وكسبا لثقة ، وامتثالا لقوله تعالى ” قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين[3] .
ب) معرفة الواقع : بدأ الفقه متساوقا مع الحق والصواب حين كان ينطلق من نص ثابت لينزله على واقع معلوم ، حسب يسر المخاطب وعسره ، وشدته وضعفه وبعده من ديار الإسلام وقربه ، ومع تشعب الفقه وتعدد وتعقد الواقع، أصبح هذا الجهد مرهقا لشخص واحد فكان لابد من الإجتهاد الجماعي[4] كحل مؤقت ريثما يقف الفقه التخصصي على قدميه كما يتبين لاحقا.
ج) الواقعية: الواقعية في الخطاب الفقهي هي محصلة للمسألتين المتقدمتين ، معرفة الدليل ثم معرفة الواقع ، ومن خلال هذه العملية يدخل ، مبدأ التدرج ، والتيسير أو التشديد ، وتقدير المصلحة والمفسدة ويفرق بين الثابت والمتغير، ولا يمكن أن يتخذ اليسر والشدة مبدأ ، و لا المتفق عليه
والمختلف فيه ، ولعل في فتيا بن عباس للقاتل عمدا وصلاة بن عفان أربعا بمنى ما يلمح لذلك.
بقلم : محمد عبد الله بن الشيباني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : صدى الوحي | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























