| محمد عبد الله بن الشيباني |
|
|
|
|
24/8/1423 |
|
|
|
|
|
30/10/2002 |
أعلنت حالة الطوارئ في المستشفيات الإسرائيلية وأقسام الشرطة والأجهزة الأمنية في كافة أرجاء القدس المحتلة والمناطق المحيطة بها بعد سماع انفجار قوي وتبين في ما بعد -حسب وكالة عيتيم" الصهيونية" التي أوردت الخبر- أن الانفجار ناتج عن عجلة سيارة"باص" تجاوزت السرعة العادية(1). وقبل ذلك بيومين أعلنت حالة الاستنفار القصوى في صفوف هذه الأجهزة والجيش وبعد 24 ساعة على إعلان حالة الطوارئ، هزَّ الجامعة العبرية دوي انفجار مريع. هذان الحادثان جاء أولهما ليترجم حالة الهلع والذعر والخور التي خلفتها سنتان من انتفاضة الأقصى، والتي تسود الدولة العبرية أما الثاني فأطار مع الريح أسطورة "الأمن "ومعجزة "الموساد"فضلاً عن هيبة الجيش وعيون التكنلوجيا"الباصرة"، وإلاَّ فأي معنى لكل هذه الأجهزة، إذا كانت تستنفر كافة أفرادها إضافة إلى المستشفيات لمجرد انفجار" إطار" سيارة؟ ثم يسفر استنفارها واستعدادها عن مثل هذه العملية التي وضعت بدقة فائقة في موقع حرج وفجرت بتقنية عالية. هذه الحادثة ليست سوى واحدة من آلاف الحوادث التي أرغمت المتعاطفين مع الكيان الغاصب -وحتى أخلص أهله له - أن يطلقوا صرخات آيسة تنذر بزوال الكيان بعد انهيار كافة مقومات بقائه. وما المقال الذي نشرته صحيفة (يدعوت احرنوت) بقلم الإرهابي "نتنياهو"بعنوان" وجود إسرائيل بات مهددًا "وما ذكر من (وهن وضعف القوة الإسرائيلية الفعلية والمعنوية في عيون العرب)، وقول أخيه في الإرهاب "بيريز":(إن الصراع وصل إلى مرحلة حرجة وأن مستقبل الصراع أصبح يلفه الغموض)(2)، وقول أحد الصحف الإسرائيلية وكان الأكثر صراحة:"عن عيد اغتصاب فلسطين": (إن الاستقلال الذي نحتفل به لم يعد له معنى).. تلك شهادات أماطت اللثام عن بعض الإنجازات الكبرى "التي حققتها انتفاضة الأقصى المباركة وعن ومضة من الأذى البالغ ، والهزة الشنيعة التي أصابت بها المجتمع الصهيوني، حقائق ناطقة وإن لم يصدقها المدجنون بقدرات الموساد الخارقة والمؤمنين ببشارة "الكيان" الذي لا ينال منه. لقد كانت انتفاضة الأقصى بمثابة رحمة وزعت الصمود والتحدي على كافة الشعب الفلسطيني والشعوب الإسلامية من ورائه،وأصاب كل المجتمع الإسرائيلي بأذى . وقد ساعدت عدة عوامل في إنجاح هذه الانتفاضة رغم "الصفقات" المربحة "والصفعات" المؤلمة التي استهدفت زعزعتها والنيل منها:
أولاً: ارتفاع روح التضحية والجهاد/ لاشك أن دعوات الحكومات الإعلامية للتطبيع وهرولتهم "العملية "إليه،ودعوة "حكماء " العلمانية إلى تحكيم العقل بدل العواطف الجياشة واعتماد المصالح بدل المبادئ في تحديد العلاقات والتحالفات، لاشك أنها كانت أكثر زخمًا، وأجهر صوتًا وأكثر صخبًا،إلا أن انتفاضة الأقصى أثبتت أن الصوت الرافض للتخلي عن الذات مقابل "أوهام" السلام كان أصدق قيلاً وأكثر نصيراً، فما أن انطلقت حجارتها الأولى حتى أصبح التطبيع - وكما هو الواقع- أشد المصطلحات مقتًا لدى الشعوب ، والمدافع عنه خائنًا ، والعمليات الإستشهادية خيارًا إستراتيجيًا لا يقبل النقاش، والدعوة إلى المقاطعة فخرًا، وأصبح جل شباب فلسطين مشاريع استشهادية ،وزاحمت الفتيات الفتيان وانتقل وجدانهم من أرض فلسطين المباركة إلى فسيح جنة عرضها السماوات والأرض.
ثانيًا: توازن الرعب..المبادرة الفلسطينية/ اكتشف المجاهدون أن لكل سلاح متطور سلاحًا بدائيًا مساويًا له في التأثير مشابها له في النتائج، وأن سياط المستضعفين مع الإيمان و التحدي تفعل مالا يفعله سيف المستكبرين مع الخواء الروحي والإفلاس النفسي فظهرت من سياط المستضعفين ضروب نقف عند آلمها بإيجاز:
السوط الأول:الحجارة والمقلاع والصدور العارية . وهذه آية الإيمان وعلامة التحدي الكبرى، وما طالعتتا وسائل الإعلام بصور اليهود مختبئين عن حجارة الأطفال في مصفحاتهم ودباباتهم أو وراء الأبنية الإسمنتية والحواجز الرملية إلا دوى في وجدانتا قوله -عز وجل- (لا يقاتلونكم جميعًا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر)
السوط الثاني:العمليات الاستشهادية: لم يكن (جمال سليم) مبالغًا حين قال:"إن القنبلة البشرية- الاستشهاديون- ستنتصر على القنبلة النووية التي تتباهى بها إسرائيل"(3) وحسب إحصاءات إسرائيلية، رسمية فإنه تم تنفيذ 130 عملية استشهادية، 95 منها ناجحة"(4) إلا أن الذي لم تذكره الشرطة الإسرائيلية أن هذه العمليات كانت تجمع في توقيتها ومكانها بين البعدين السياسي والعسكري الأمني، مما أربك أجهزة دولة العدو وأرهب مواطنيها وما لم تذكره أيضًا هو أن طلعة الفتيان والفتيات البهية على شاشات وسائل الإعلام وهم يبتسمون للموت وهم في مقتبل العمر، أشاعت جوًا عامًا من التوق للشهادة في سبيل الله، وبشَّرت المسلمين أن هناك من يبذل دمه نصرة للإسلام و أهله وأقنعت الرأي العام العالمي أن هناك أذى بالغًا دفع هؤلاء إلى مثل هذه الأعمال .
السوط الثالث: مصانع الأسلحة : بعد عدة دلائل أشارت إلى وجود مصانع سرية لدى الفلسطينيين، حسمت قناة(أم بي سي) الأمر في الشهر (3-2002) بعرضها تقريرًا مصور ومفصلاً عن أحد هذه المصانع حيث قام المهندسون بشرح خطواتهم لصناعة الأسلحة وتعبئة العبوات والأحزمة الناسفة للاستشهاديين ، ووحدات لتطوير الصواريخ الصغيرة، ومدافع الهاون،وفي خبر عاجل أوردته (يدعوت أحرنوت) يوم (28-08-002)) "أن جنود العدو عثروا في جنين على مختبر كبير لتصنيع المتفجرات، وعثروا على عدة عبوات ناسفة جاهزة مختلفة الأحجام(5).
السوط الرابع: السيارات المفخخة: وهي أقدم الأساليب وأشد هذه "السياط " فتكًا وكانت عنوان العام الأول من الانتفاضة، قبل أن تزاحمها الأحزمة والعبوات الناسفة وتحد من فاعليتها الحواجز الأمنية.
السوط الخامس: الصهاريج الملغومة: وقد تمت عمليتان -على الأقل- إحداهما في مجمع " بي غليلو" وتزامنت مع اجتماع أمني للحكومة الإسرائيلية لبحث جاهزية الدولة الصهيونية للتعامل مع عمليات كبرى، كما لو أن هذه العملية نجحت، والثانية وقعت (08-08-002) في أكبر مجمع للغاز في الكيان وقالت الشرطة الإسرائيلية إن 3000 شخص -على الأقل- سيموتون لو لم تنفجر الشاحنة المحملة بـ 15طنًا من الوقود(6) قبل المكان المحدد بأمتار ووصفتها بالكارثة التي لا يمكن تصورها، ومنذ بداية العام 2002 بلغت تكاليف الإجراءات الأمنية التي اتخذتها الشركة 17مليون شيكل/.
السوط السادس:الأسلحة الرشاشة: وعنها تقول مصادر الشرطة الصهيونية- حسب مجلة العصر- أنه تمت 13 ألف عملية بمختلف أنواعها، لقي فيها 660 مستوطنًا وجندياً حتفهم وأصيب 3500 بجروح متفاوتة، وقال المفتش العام لشرطة العدو "شلومو اهرونيتشي": وقع منذ يناير 2002 حتى يوليو 1071 عملية أصيب جراؤها1935، توفي منهم 238 وأحبطت 50 وأبطل مفعول 148 عبوة ناسفة (7) ويضيف "هذه ليست معطيات شرطة جافة بل هي صورة للوضع الاجتماعي في إسرائيل" الحالة التي اختصرها الصحافي الإسرائيلي "فيرد لويتش من" يدعوت"بالعنوان:(إسرائيل : يهود أقل زواجًا أقل عمالاً) .
السوط السابع: نهب المستودعات: لم يعد يشغل بال الصهاينة وصول الفلسطينيين إلى مستودعات الذخيرة ومخازن الأسلحة الإسرائيلية، فهذا أمر أصبح شبه شهري، وإنما أصبح شغلهم الشاغل ما آذنت به هذه العمليات من احتمال وصول الأيادي الفلسطينية إلى المواد المشعة والكيماوية بعد وصولهم إلى المستودعات الصهيونية عن طريق اختراق التحصينات الأمنية وشراء ذمم الضباط ، ونقلت محطة التلفزة الإسرائيلية "الثانية" الجمعة (11-5-2001) أن سرقة لمستودع إسرائيلي أسفرت عن نهب42 قذيفة هاون و10 قذايف مضادة للدبابات و 4000 طلقة رشاش و 10000 رصاصة بندقية والطريف أنه تم نقل هذه "الغنيمة" على الحمير إلى غزة حسب القناة الإسرائيلية الثانية (8)
السوط الثامن: جيش الرعب: أسفرت سنتان من انتفاضة الأقصى عن انكشاف ضعف اليهود النفسي وخلفت حالة هلع وذعر أصبحوا معها يحسبون كل صيحة عليهم، وفي هذا المنحى ذكرت الشرطة الصهيونية أنها تلقت منذ (يناير-2002) وحتى فاتح يوليو أكثر من مليون و700 ألف اتصال هاتفي منذر بوقوع عملية أو الاشتباه بجسم غريب(9) أي بمعدل 9239 اتصالاً يوميًا، هذا ولم يسفر اتصال واحد عن كشف عملية واحدة.
السوط التاسع: المقاطعة : وهي التعبير الحقيقي عن صحوة الضمير العالمي وازدياد الوعي الإسلامي بالقضايا الكبرى، ولم تعد المقاطعة مقتصرة على المسلمين في الدول الإسلامية، بل ولا على المسلمين عمومًا وفي هذا المعنى وقّع أكتر من 750 أكاديميًا غربيًا على دعوة لمقاطعة المنتجات الإسرائيلية، ودعت جمعية النقابات البريطانية الكبرى إلى مقاطعة إسرائيل. وقد انخفضت صادرات العدو -حتى إلى أمريكا- فقد انخفضت بنسبة 10% (10).
عاشر السياط: أخيرًا نعرج على أشهر إبداعات الانتفاضة: سلاح التحدي. إن شعبًا شاهد بعينيه ما وقع في جنين، ثم فكر في التحدي لشعب صمود، فكيف إذا رأيت الذين عايشوا فصول مجزرته المرعبة، وهم يتعالون على كل هذا الأذى فيخرجون من هذا الجحيم بهمة أقوى وعود أصلب ؟ لكن ..ما النتيجة؟
|